مرتضى الزبيدي
540
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
نظرها ولا يبالي بها لا يسلم من الاشتغال بإصلاحهم . نعم ربما يصلحهم ولكن يفسد نفسه بإصلاحهم فيكون كالسراج يضيء لغيره ويحترق في نفسه . فإن قلت : فلو ترك الوعاظ الوعظ إلا عند نيل هذه الدرجة لحلت الدنيا عن الوعظ وخربت القلوب ؟ فأقول : قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « حب الدنيا رأس كل خطيئة » ولو لم يحب الناس الدنيا لهلك العالم وبطلت المعاش وهلكت القلوب والأبدان جميعا إلا أنه صلّى اللّه عليه وسلم علم أن حب الدنيا مهلك وأن ذكر كونه مهلكا لا ينزع الحب من قلوب الأكثرين لا الأقلين الذين لا تخرب الدنيا بتركهم ، فلم يترك النصح وذكر ما في حب الدنيا من الخطر ، ولم يترك ذكره خوفا من أن يترك ثقة بالشهوات المهلكة التي سلطها اللّه على عباده لسوقهم بها إلى جهنم تصديقا لقوله تعالى : وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [ السجدة : 13 ] فكذلك لا تزال ألسنة الوعاظ مطلقة لحب